المقريزي
292
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وأخذ ذلك الحاوي يحسّس ، وفي يده كنف الحيّات ، ويقول : قبضت الرّقطاء ثم يفتح السّلّة ويضع فيها ، ثم يقول : قبضت أم قرنين ويفتح ويضع فيها ، ويقول : قبضت الفلاني والفلانية من الثّعابين والحيّات - وهم معه بأسماء - ويقول : أبو زعيرة ، أبو تليس ونحن نقول : إيه ! إلى أن قال : بس انزلوا ما بقي عليّ همّ ، ما بقي يهمّكم كبير شيء . قلنا : كيف ؟ قال : ما بقي إلا البتراء وأمّ رأسين ، انزلوا فما عليكم منهما . قلنا : كذا ، عليك لعنة اللّه يا عدوّ اللّه ، لا نزلنا للصّبح ، فالمغرور من تغرّه . وصحنا بالقاضي أبي حفص القيّم ، فأوقد الشّمعة ، ولبس صياغات الخطيب خوفا على رجليه وجاء فنزلنا في الضّوء ، وطلعنا المئذنة فنمنا إلى بكرة ، وتفرّق شملنا بعد تلك الليلة . وجمع القاضي القيّم عياله ثاني يوم ، وأدخلوا عصيا تحت المنبر وسعفا ، وشالوا الحصر ، فلم يظهر لهم شيء وبلغ الحديث والي القرافة ابن شعلة الكتامي ، فأخذ الحاوي ، فلم يزل به حتى جمع ما قدر عليه ، وقال : ما أخلّيه إلّا إلى السّلطان وكان الوزير إذ ذاك يأنس الأرمنيّ « 1 » . وهذه القضيّة تشبه قضيّة جرت لجعفر بن الفضل بن الفرات وزير مصر - المعروف بابن حنزابة - وذلك أنّه كان يهوى النّظر إلى الحيّات والأفاعي والعقارب وأمّ أربعة وأربعين وما يجري هذا المجرى من الحشرات ، وكان في داره قاعة لطيفة مرخّمة فيها سلل الحيّات ، ولها قيّم فرّاش حاو من الحواة ، ومعه مستخدمون برسم الخدمة ونقل السّلال وحطّها . وكان كلّ حاو في مصر وأعمالها يصيد ما يقدر عليه من الحيّات ، ويتناهون « ( a » في ذوات العجب من أجناسها وفي الكبار وفي الغريبة المنظر . وكان الوزير يثيبهم على ذلك أوفى ثواب ، ويبذل لهم الجمل حتى يجتهدوا في تحصيلها ، وكان له وقت يجلس فيه على دكّة مرتفعة ، ويدخل المستخدمون والحواة ، فيخرجون ما في السّلل ويطرحونه على ذلك الرّخام ويحرّشون بين الهوام ، وهو يتعجّب من ذلك ويستحسنه . فلمّا كان ذات يوم أنفذ رقعة إلى الشّيخ الجليل ابن المدبّر الكاتب - وكان من أعيان كتّاب أيّامه وديوانه ، وكان عزيزا عنده وكان يسكن إلى جوار دار ابن الفرات - يقول له فيها :
--> ( a بولاق : يتباهون . ( 1 ) تولّى الوزير أمير الجيوش سيف الإسلام أبي الفتح يأنس الحافظي الوزارة لمدّة تسعة أشهر للخليفة الحافظ لدين اللّه ، قبل وفاته في 16 ذي الحجة سنة 526 ه / 1132 م . ( انظر فيما تقدم 3 : 48 - 49 ) ، فتكون هذه الحادثة قد تمّت في سنة 526 ه / 1132 م .